مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

 

بقلم/ الدكتور خيام الزعبي..

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ”مثلث رعب” يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة، وإعادة هيكلة التحالفات واستبدال الحلفاء القدماء بآخرين جدد، وفقاً لاعتبارات تقتضيها مصلحة الدول المختلفة.

يأتي على رأس هذه التغيرات التقارب الروسي الإيراني الصيني في فيينا، فقد شهدت العلاقات بين موسكو وبكين تطوراً ملحوظاً بعد تولي فلاديمير بوتين رئاسة روسيا، وازاد التقارب بين البلدين في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، والتي أثارت قلق واشنطن بشكل كبير، وقيل عنها إنها مشروع لحلف عسكري آسيوي كبير تقوده روسيا والصين معاً، كما اتضح التقارب بين روسيا والصين في المواقف السياسية إلى حد التطابق، وقد شاهدنا الفيتو الثنائي المتكرر منهما في مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة السورية، وموقفهما المشترك من أحداث الربيع العربي، ومن أزمة البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي يثير قلقاً لدى الغرب وواشنطن من مشروع تحالف استراتيجي بين البلدين قد يضم معهما بلداناً أخرى مثل إيران وغيرها.

بطبيعة الحال أكد المندوب الروسي الدائم لدى المنظمات الدولية “ميخائيل أوليانوف”، إثر مشاورات ثلاثية بين موسكو وبكين وطهران، في فيينا، إنّ المشاورات هي مثُلث جديد في الدبلوماسية لتعزيز التعددية القطبية، وقال المندوب: “أوليانوف”، إنّ: روسيا والصين وإيران، هي مثُلث جديد في الدبلوماسية متعددة الأطراف، والتي يمكن توسيعها بسهولة، لأنّ هناك العديد من الدول التي تؤيد التعددية وتعارض محاولات إبقاء العالم الأحادي الجانب على قيد الحياة بأي ثمن.

وكان وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” أكد خلال اجتماع مع نظيره الروسي “سيرغي لافروف”، على هامش “قمة مجموعة الـ 20″، إنّ بكين مستعدة للعمل مع موسكو والدول المهتمة الأخرى لتعزيز التعددية القطبية بشكلٍ حاسم في العالم.

وكان وزير الخارجية الروسي أكّد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الإيراني “حسين أمير عبد اللهيان”، في آب الماضي، أن العمل على وثيقة العلاقات بين “روسيا وإيران” في مرحلته الأخيرة، مشيراً إلى أنها ذات أهمية استراتيجية.

من الواضح إن حاجة روسيا إلى حلفاء إقليميين في الشرق الأوسط لتجديد عودتها إلى المنافسة على الزعامة الدولية دفعها لتمتين علاقاتها مع دول في الإقليم تقف بالمرصاد ضد السياسة الأمريكية، ولم تجد أفضل من إيران المحاصرة أمريكياً، والحريصة على التحالف مع أطراف دولية قوية قادرة على دعمها في مواجهة التسلط الأمريكي.

وبعد كل هذه الحقائق، إن روسيا اليوم في حاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لترسيخ علاقتها بالصين وإيران لتكوين جبهة قوية ضد الهيمنة الأمريكية، ووضع حد لانفرادها بالسيطرة على العالم من دون منازع وكسر سياسة الاحتواء والطوق الذي تريد أن تضربها على هذه الدول بسياسات مختلفة، وكانت القيادة الروسية قد أشارت إلى تأسيس مثلث استراتيجي يجمع الصين وروسيا وإيران وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة لأنه يقلص من هيمنتها ويقزم دورها في المنطقة، ولذلك فهي تعمل على إغراء إيران بكل ما تحتاجه حتى لا تعطى لها فرصة الانضمام لهذا الثالوث الاستراتيجي العملاق، لذلك انطوى التقارب الأمريكي الإيراني في حقيقته عن إبعاد طهران عن موسكو أو إضعاف العلاقة البراغماتية بينهما، خاصة في أوضاع منطقة وسط آسيا وبحر قزوين، وكذلك الساحة السورية، ومنها أيضاً الملف النووي الإيراني وتكريس العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بطريقة إضعاف روسيا في هذا الملف الذي باتت فيه تستخدم أسلوب المساومة والمقايضة حيال القضية الأوكرانية.

ولا شك حاولت روسيا، أن تجعل من إيران شوكة في حلق أمريكا وورقة ضغط رابحة تستخدمها في كل الظروف وفي كل الأزمات، وهي كذلك موقع استراتيجي متقدم من الحدود وحزام من الأحزمة الواقية لروسيا، ولذلك فإن الدور الإقليمي الذي يمكن أن تقوم به إيران مهم بالنسبة إليها وجزء لا يتجزأ من استراتيجيتها العسكرية.

وفي هذا الإطار، تسعى كل من روسيا وإيران والصين إلى تشكيل تحالف إقليمي ليكون صداً في وجه الاختراق الأمريكي للمنطقة، خاصة في المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي سابقاً والتي فرط عقدها إثر انهياره، وقد عمدت هذه الدول إلى تأسيس بعض المنظّمات الإقليمية وتفعيل البعض الآخر لهذا الغرض.

وفي سياق متصل، شهدت الأسواق الأوروبية حالة من الاضطراب مع تباين مواقف القادة حول كيفية فرض عقوبات على روسيا بشكل لا ينعكس سلباً على اقتصادياتهم في الوقت الذي تشعر فيه بعض الدول الغربية بالقلق إزاء الآثار طويلة الأمد المترتبة على التوترات المتزايدة بينها وبين روسيا، وسيكون بالتأكيد لكل ذلك تأثير كبير على الأسواق الدولية وسينعكس إما من خلال انكماش التجارة العالمية أو تراجع التجارة الإقليمية.

وأخيراً ربما أستطيع القول، إن العالم يشهد اليوم أربع قوى استراتيجية كبرى المتمثلة في أمريكا، أوروبا، الصين، روسيا، وتعد أمريكا وأوروبا حليفين استراتيجيين، وإن تقارب روسيا وإيران والصين من شأنهما أن يؤثرا على المكانة الاستراتيجية الأمريكية، والتحفيز الكبير ليس فقط بالنسبة لأمريكا ولكن بالنسبة للعالم الغربي، حيث يحوم حالياً شبح الحرب الباردة الثانية، بسبب الصراع الروسي الأمريكي بشأن الأزمة الأوكرانية، وبموجب هذا السيناريو أصبح التقارب الاستراتيجي بين روسيا  وإيران والصين مرساة استقرار للعالم، وهي ضمان استراتيجي لمنع نشوب حرب باردة جديدة، كما أن النهوض الروسي –الصيني- الإيراني يشكل تحدياً لا مثيل له بالنسبة للغرب وأمريكيا على وجه الخصوص.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.